أمتنا في ضوء معايير التقدم المادي
وإذا نظرنا إلى أمتنا في ضوء معايير التقدم المادي المعاصر، وجدناها وراء وراء!!. إنها لا زالت عالة على الأُمم الأخرى في قوام حياتها الاقتصادية والعسكرية. إنها لا تنتج الكفاية من القوت الذي به قيام المعيشة، ولا من السلاح الذي به حماية السيادة.
إن المسلمين في الأعصر الأخيرة: «رضوا بالزرع، وتبعوا أذناب البقر» كما وصفهم الحديث النبوي، ومع هذا لم يعطهم زرعهم من الثمر، ولا بقرهم من اللبن، ما يغنيهم عن الاستيراد من غيرهم.
• أُمة معطلة الطاقات:
إن مصيبة الأُمة الإسلامية أن طاقاتها - برغم كثرتها وضخامتها وتنوعها - معطلة! ولا أعني بتعطيلها الشلل الكلي، بل الشلل الجزئي؛ أعني أنها لا تعمل بكامل طاقاتها لتعويض ما فاتها في عهود النوم والغفلة، وللحاق بركب التقدم العالمي، وهو ما يحتم عليها مضاعفة الجهد، وتكثيف العطاء، ولكن أمتنا لا تعمل بنصف طاقتها، ولا بربعها، ولا بخمسها، ولا بعشرها، فأرخص شيء عندها هو الوقت، وأثقل شيء عليها هو العمل، وأقل الثروات قيمة عندها هو الإنسان!!
• طاقاتنا العقلية معطلة:
إن طاقاتنا العقلية معطلة، لأننا نقلد، ولا نجتهد، نحاكي ولا نبدع، ننقل ولا نبتكر، نحفظ ولا نفكر، أي نستخدم تفكير غيرنا، ولا نفكر نحن لأنفسنا، سواء أكان ذلك الغير أسلافنا من الماضين أم غيرنا من الحاضرين.
وليس هذا في العلوم «التراثية» وحدها، كما يتوهم، بل في العلوم الطبيعية والرياضية أيضًا، فنحن نحفظ قوانينها، ولا نحسن الاستفادة منها، وحسبنا أن الغربيين يفكرون ويخترعون لنا، فهم المكتشفون والمبدعون، ونحن التراجمة!!
وكفانا عارًا أن عشرين دولة تعلم العلوم بلغات أجنبية، معترفة بعجزها عن تعليمها بالعربية، وأن «إسرائيل» - دولة المليونين أو الثلاثة - تعلم العلوم بالعبرية!!
حتى العلوم الإنسانية التي تتلون بتلون كل أمة وعقائدها، وقيمها وثقافتها واختلاف نظرتها إلى الكون ومكونه، وإلى الإنسان ... حقيقة، وإلى الحياة ومصيرها، وإلى المعرفة ومصادرها، هذه العلوم الإنسانية نقلناها عن الغرب نقلًا حرفيًا كل حسب المدرسة التي أخذ عنها، وإن كانت كلها فروعًا من شجرة واحدة، هي شجرة المادية الملعونة في التوراة والإنجيل والقرآن.
ونظمنا التعليمية السائدة تساعد على إنشاء هذه العقلية المقلدة، وقد رأينا أقوى أمة في عالمنا «أمريكا» ترى نفسها على حافة الخطر، بسبب قصور التعليم فيها عما تنشده لأبنائها، وتتنادى بوجور درء الخطر الذي يواجهها في مسيرتها التعليمة، ولم يعمها صعودها إلى القمر أن ترى ضعف مستوى أبنائها على الأرض(1). ونحن نرى ونلمس ضعف المستوى التعليمي في مجتمعاتنا إلى حد مخجل ولكننا صامتون أو مشغولون، أو مجاملون.
إن نظمنا التعليمية تخرج موظفين، ولا تخرج مثقفين، وحتى القراءة فنحن لا نحب أن نقرأ، لأن القراءة تتطلب منَّا جهدًا وتفكيرًا، حتى نفهم ونتابع، ولكن الكسل عندنا أحلى من العسل!!.
لقد قال «موشي ديان» يومًا لقومه من اليهود، وقد لاموه على بعض تصريحات تكشف عن أطماعهم وتطلعاتهم، وقد خشوا أن يقرأها العرب، ويكشفوا خططهم، قال لهم: اطمئنوا فإن العرب لا يقرأون!!.
والعجب من أمة أول آية نزلت في كتابها: {ٱقۡرَأۡ} لا تحسن أن تقرأ، وإذا قرأت لا تحسن أن تفهم، وإذا فهمت لا تحسن أن تعمل، وإذا عملت لا تحسن أن تستمر!!.
إن الله تعالى شاء أن يجعل معجزة الإسلام معجزة عقلية أدبية ولم يجعلها معجزة حسية، كما كان في رسالات سبقت، إعلاءً لشأن العقل في هذا الدين، وهذا الكتاب، الذي نزل خطابًا لأولي «النُهى» وأولي «الألباب» لا للبله أو الحمقى.
إن الله تعالى قد علل انتصار المسلمين على أعدائهم من المشركين واليهود بأن هؤلاء: {قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ} [المائدة: 85] أو {بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} [الأنفال: 65] فكيف إذا بات المسلمون اليوم وهم أحق الناس بهذا الوصف «لا يعقلون»، و«لا يفقهون» لأنهم لم يفقهوا آيات الله المشهودة في كتابه الصامت: الكون، ولا آياته المقروءة في كتابة الناطق: القرآن، وقد أنزلها وفصلها {لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ} [الأنعام: 98]، و{لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} [الأنعام: 105]!!
لقد ابتدعنا في دين الله، والابتداع في الدين ضلالة، وجمدنا في شئون الدنيا، والجمود في الدنيا جهالة، وكان الأجدر بنا أن نعكس الوضع فنتبع في أمر الدين، ونبتدع في أمر الدنيا، فروح الدين الاقتداء وروح الدنيا الابتكار والابتداع!!
• طاقاتنا العملية معطلة:
وطاقاتنا العملية معطلة، مع أن الله خلقنا لنعمل، بل خلقنا ليبلونا أينا {أَحۡسَنُ عَمَلٗا} [الملك: 2]، وهذا تعبير له إيحاؤه ودلالته، فليس المراد تمييز سيئ العمل من حسن العمل، بل المفترض أن يكون عمل الجميع حسنًا، ولكن أيهم أحسن وأرجح؟
والمسلم مطالب بالعمل إلى آخر رمق في الحياة، حتى لو قامت الساعة وفي يده فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها، كما أمره رسول الله صصص.
والعمل في الإسلام عبادة وجهاد سواء كان عملًا للدين أم للدنيا، إذا صحت فيه النية، والتزمت حدود الله تعالى، ولكن أمتنا للأسف أقل الأمم عطاءً وعملًا، وأكثرها كلامًا وجدلًا، نحن نتكلم كثيرًا ونعمل قليلًا، وكثيرًا ما نعمل غير المهم، وندع المهم، بل قد نعمل غير النافع، وندع النافع.
ونحن ندور حول أنفسنا كالثور في الطاحون، أو كالذي حكوه عن جحا وساقيته: «زعموا أن جحا صنع ساقية تأخذ الماء من النهر، ثم ترده إلى النهر، فلما سُئل في ذلك، قال: يكفيني نعيرها!!».
ولقد اشتركت في عدة مؤتمرات إسلامية عالمية، وصدرت عن هذا المؤتمرات توصيات مبصرة، ولكنها - إلا في القليل النادر - لم تر النور، ولم تبرز إلى حيز التطبيق، وظلت حبرًا على ورق كما يقال ... ترى لماذا؟.
ألأننا تعودنا حسن الكلام ولم نتعود حسن العمل؟ ...
أم لأننا نتكلم ونتوقع من غيرنا أن يعمل؟ ...
أم لأننا نقرر ونقدر، ثم لا نتابع ماذا حدث فما قررناه؟ ...
لا أقلل من أهمية الكلمة الصادقة المعبرة وتأثيرها، فإن معجزة الإسلام الأولى - القرآن - إنما هي كلام، وأحاديث الرسول الكريم كلام، ولكن لا ينبغي أن يغطى الكلام على العمل، ولعل هذا بعض السر في نزول القرآن الكريم منجمًا في ثلاث وعشرين سنة؛ ليتيح الفرصة للمؤمنين أن يحولوا كلمات الله المنزلة إلى عمل صالح، وإلى حياة نابضة ناطقة، حتى وصفت عائشة الرسول صصص بكلمتها الشهيرة المعبرة: «كان خلقه القرآن» ... !!
ومن كلمات المعاصرين الحية وصف الصحابة رررت بأن الواحد منهم كان قرآنًا يسعى على قدمين!!.
إن الكلام لا بد منه، وإن الحرب أولها كلام كما قال الشاعر. ولكن الكلام يُذم إذا كان أكثر من العمل، ويُذم أكثر إذا كان بلا عمل، ويُذم أكثر وأكثر إذا كان مناقضًا للعمل، وفي هذا جاء وعيد الله يدوي وينذر: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ 2 كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ} [الصف: 2، 3].
• طاقاتنا الاقتصادية معطلة:
طاقاتنا الاقتصادية معطلة، فنحن نعيش في أهم بلاد الله موقعًا، وأطيبها بقعة، وأخصبها أرضًا، وأحفلها بالمعادن المذخورة في باطنها، والثروات المنشورة في ظاهرها، ولكننا لم نستغل ثرواتنا، ولم نزرع أرضنا، ولم نصنّع المعادن والمواد «الخام» المستخرجة من أرضنا ... وما نزرعه من أرضنا - وهو قليل من كثير - لا نزال نزرعه - في غالب الأمر - بطريقة أجدادنا! وكثيرًا ما نجور على الأرض الحية الخضراء فنحيلها إلى مبان ومنشآت، ونعجز عن تحويل الأرض البور إلى أرض مزروعة، وهو ما سماه الفقه الإسلامي «إحياء الموات» أي أننا نميت الأرض الحية ولا نحيي الأرض الميتة!!
أصبح الطابع الغالب علينا: أننا نستهلك ولا ننتج، ونستورد ولا نصنع وقد ننتج ما لا نحتاج إليه ونهمل إنتاج ما نحن في أشد الحاجة إليه، ونفتخر باقتناء أفخر السيارات العالمية، ونحن لا نحسن صناعة دراجة!!
فلا غرو أن يهلك الملايين منا جوعًا، وبلادنا زراعية، ما دمنا عاجزين عن حفر بئر في الأرض، منتظرين المطر من السماء، وما دمنا نهتم بمظاهر الرفاهية لا بمصادر الإنتاج، كالذين حكى الله عنهم من أصحاب القرى الظالمة التي دمرها على أهلها {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ} [الحج: 45]، وكان أولى بهم أن يهتموا بالآبار ومصادر المياه قبل تشييد القصور!!.
ولا غرو أن يصبح العالم الإسلامي كله في دائرة «البلاد النامية» وكلمة «النامية» تعبير مؤدب لـ «المتخلفة» التي تركب الجمال والحمير، وغيرها يركب سفن الفضاء، وإذا ركبت السيارات والطائرات فهي ليست من صنعها ... أليس من المؤسف المحزن أن نظل إلى اليوم عالة على غيرنا، فلا نزرع من الحبوب ما يكفي غذاءنا، ولا نقيم من الصناعات ما يحمي ذمارنا؟
لقد رأينا عددًا من بلاد المسلمين في أفريقيا يسقط فيها هلكى تحت مطارق المجاعة والجفاف حيث لا يجدون ما يمسك الرمق، أو يطفي الحرق، وكان في الإمكان - لو فكروا في الأمر من قبل وخططوا له - أن تحفر آبار، وتدق أنابيب تستخرج بها المياه من جوف الأرض، فإذا فلم ينزل الغيث من السماء وجدوا فيما يستنبط من الأرض عوضًا.
ورأينا مسلمين آخرين - لوفرة ما تنتجه بلادهم - يتخلصون من الثمار بدفنها في الأرض، لأنهم لا يستطيعون تصنيعها، ولا يستطيعون حفظها، ولا يستطيعون نقلها!!
أليس هذا من العجز استعاذ منه صصص حين قال: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل»(2)، ونهى عنه، فقال: «استعن بالله ولا تعجز»(3)، وقال: «إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس»(4).
وإذا كان كل بلد عاجزًا إذا عمل وحده، أفلا تتكون من مجموع هذه البلاد قوة؟ ثم أين التكامل والتعاون بين البلاد الإسلامية؟
• طاقاتنا العددية معطلة:
وطاقاتنا العددية معطلة، فنحن - وإن كنا ألف مليون مسلم - تفرقنا طرائق قددًا.
عمينا عن نور الله، فتقسمتنا ظلمات الطواغيت، وأعرضنا عن صراط الله الواحد، فتفرقت بنا السبل المتعددة، فمالت ببعضنا إلى اليمين، وانحرفت بآخرين إلى اليسار، وانحاز جماعة إلى الشرق، وآخرون إلى الغرب، ونسينا تحذير الله لنا: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ} [الأنعام: 153]. تفرقنا، والتفرق يضعف الكثرة، كما أن الاتحاد يقوي القلة.
لم نتكامل ولم نتعاون، ولم نتلاحم، في عصر يتكلم بلغة الكتل الكبيرة، ولا تستطيع القلة فيه أن تعيش وحدها، ولهذا رأينا الدول المتقدمة تقيم فيما بين بعضها وبعض الأحلاف العسكرية، والأسواق الاقتصادية إلى جوار التكتلات السياسية.
أما نحن فقد انقسمنا قوميًا بين عرب وعجم، وفكريًا بين تقدميين ورجعيين، وسياسيًا بين موالين للغرب وموالين للشرق. إلى غير ذلك من أنواع التمزق والانقسام.
كان المفروض أن نستفيد من طاقاتنا العددية، وقد قال: «جمال الدين الأفغاني» يومًا للهنود: «لو كانت ملايينكم ذبابًا يطن في أُذُن الإنجليز لخرقتم آذانهم»!!
ولكننا لم ننتفع بهذه القوة البشرية الضخمة، لأننا جعلنا الكثرة كارثة وهي في الأصل نعمة، ألا ترى القرآن يقول: {وَٱذۡكُرُوٓاْ إذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡ} [الأعراف: 86].
أصبح أكبر همّ الكثيرين منا من زاعمي الإصلاح - لا زعمائه - أن نقلل عددنا ونحدد نسلنا! وفي الأرض أمم ضخمة لم تشك من كثرة سكانها كما نشكو. بل اجتهدت أن توظف الكثرة في خدمة الإنتاج.
• طاقاتنا الروحية معطلة:
وقبل ذلك كله وبعده، طاقاتنا الروحية معطلة، فقد أعلينا الطين والحمأ المسنون فينا على نفخة الروح، التي هي سر تكريم الله لأنبيائنا من قبل، ولنا من بعد: {فَإذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ} [الحجر: 29].
هبت رياح المعصية، فأطفأت شموع الخشية من قلوبنا، وطال علينا الأمد فقست قلوبنا من بعد، كما قست قلوب أهل الكتاب من قبل: {فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗ} [البقرة: 74].
ولم تساعد مناهجنا التعليمية، وأجهزتنا التوجيهية على تكوين «المعاني الربانية» في أنفسنا، وصدق ما قاله المفكر الشاعر المسلم «محمد إقبال»، حين قال عن «المدرسة الحديثة»: إنها قد تفتح أعين الجيل الجديد على حقائق ومعارف، ولكنها لا تعلم عينهُ الدموع، ولا قلبه الخشوع! أسأنا فهم الدين الذي هو روح وجودنا، وسر بقائنا وتميزنا - حتى شغلنا بالشكل عن الجوهر وبالقالب عن القلب، مع أن أهم ما جاء به ديننا هو تطهير القلوب، وتزكية الأنفس: {قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا 9 وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} [الشمس: 9، 10].
فإذا تغيرت هذه الأنفس، تغير المجتمع، وتحول مجرى التاريخ {إنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ} [الرعد: 11].
صحيح أننا نحتفل بالأعياد والمواسم الدينية، ونعطل الدوائر الرسمية - في أكثر بلاد الإسلام - أيام الجمع والأعياد، ونطبع المصاحف والكتب الدينية ... إلخ، ولكن هذا لا يعني أننا أعطينا للدين حقه، ووقفنا عند حدوده، فنحن نحتفل به ونتمرد عليه، كالذي يقبل يد الشيخ ولا يسمع نصحه، وأخشى أن يسلكنا ذلك في زمرة: {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا} [الأعراف: 51].
وأَسواء ما يصيب حياة أمة أن يصبح الدين فيها لهوًا، ويصبح اللهو فيها دينًا!!.
وكيف لا؟ وقد أصبحنا نزين جدراننا بآيات القرآن، ولا نزين حياتنا بالعمل بالقرآن، نقرؤه على الأموات، ولا نحكمه في الأحياء! نجعل البركة في مجرد حمله أو تلاوته، وإنما البركة الحقيقية في اتباعه وتحكيمه: {وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ} [الأنعام: 155].
اجترأنا على الله تعالى، فعطلنا شريعته، وجمّدنا أحكامه، وتطاولنا على علمه وحكمته، حتى كأننا أعلم بالخلق وبمصالحهم منه: {قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} [البقرة: 140] {أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} [الملك: 14].
وطالما قلت، وسأظل أقول: إن مفتاح شخصية هذه الأمة ومفجر طاقاتها هو الإيمان: إيمان الإسلام، الذي جعل هذه الأمة من قبل خير أمة أُخرجت للناس، وحقق لها النصر على أعظم الإمبراطوريات في الأرض، على الرغم من قلة عددها، وضعف عدتها.
وبهذا الإيمان انتصرت بعد على هجمات التتار الزاحفين من الشرق، والصليبيين الزاحفين من الغرب، وبه تستطيع اليوم الانتصار على ورثة هؤلاء وهؤلاء.
استغل اليهود طاقاتهم الروحية ودوافعهم الدينية، فأيقظوا بها أمتهم من سبات، وجمعوا بها طوائفهم من شتات، وأحيوا بها لغتهم من موات، حتى واجهونا ومعهم التوراة، وليس معنا القرآن! تجمعوا على اليهودية وتفرقنا عن الإسلام! تشبثوا بتعاليم التلمود، وسخرنا نحن من البخاري ومسلم! قال زعماؤهم في اعتزاز: هكذا علمنا أنبياؤنا، واعتز زعماؤنا بماركس ولينين!!.
نحن نملك أعظم عقيدة، وأكمل رسالة، ولدينا الكتاب الإلهي الوحيد المحفظ من التحريف والتبديل، ولكننا في غمرة ساهون، وعن مصادر قوتنا غافلون.
نحن كثرة، ولكن - كما وصفنا الحديث النبوي: «كثرة كغثاء السيل»(5).
وسر ذلك يرجع إلى خراب الباطن من قوة الإيمان الذي يصغر لدى المؤمن الدنيا، ويحبب إليه الموت في سبيل الله، والذي سماه الحديث «الوهن»، وفسره بأنه «حب الدنيا وكراهية الموت»(6).
ولا عجب أن يهزم ألف مليون من «غثاء السيل» أمام ثلاثة ملايين من اليهود!!.
----------
هوامش :
(1) انظر: التقرير الذي أصدره مكتب التربية العربي لدول الخليج تحت عنوان: «أمة معرضة للخطر» ترجمة وعرض الدكتور يوسف عبد المعطي.
(2) رواه البخاري وأبو داود وغيرهما من حديث أنس.
(3) رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
(4) رواه أبو داود.
(5) من حديث رواه أحمد وأبو داود عن ثوبان.
(6) المرجع السابق.

![كتاب : أين الخلل ؟ - تأليف : الإمام يوسف القرضاوي - الحلقة [ 2 ] https://idhaatt.blogspot.com/2019/12/idhaatt_16.html](https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhRTMml2U3-W3KBns4z5YvnHsWO5jVZfRFy9c3yIclIV0B6g53ko3C2td23fB7mV56zgcirMnxbsRqPOyuW-PfaFh9gUPOeJGHU1ZNIKryl8pgKDMcXojx27hIkHz1eKapAvxceWNHd-Vw/s320/1.1.jpg)

0 Please Share a Your Opinion.:
إرسال تعليق